الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
236
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فالبصير : أريد به العالم علم انكشاف لا يقبل الخفاء فهو كعلم المشاهدة وهذا إطلاق شائع في القرآن لا سيما إذا أفردت صفة بَصِيرٌ بالذكر ولم تذكر معها صفة « سميع » . واصطلح بعض المتكلمين على أن صفة البصيرة : العالم بالمرئيات . وقال بعضهم : هي تعلق العلم الإلهي بالأمور عند وقوعها . والحق أنها استعمالات مختلفة . وبهذا يتضح وجه الجمع بين ما يبدو من تعارض بين آيات القرآن وإخبار من السنة فاجعلوه مثالا يحتدى ، وقولوا هكذا . هكذا . وهو احتراس من أن يتوهم من تقسيمهم إلى فريقين أن ذلك رضى بالحالين كما حكي عن المشركين وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ [ الزخرف : 20 ] . وهو استطراد بطريق الكناية به عن الوعد والوعيد . وشمل قوله : بِما تَعْمَلُونَ أعمال القلوب كالإيمان وهي المقصود ابتداء هنا . [ 3 ] [ سورة التغابن ( 64 ) : آية 3 ] خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 3 ) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ . استئناف بياني ناشئ عن قوله : فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [ التغابن : 2 ] يبيّن أن انقسامهم إلى قسمي الكافرين والمؤمنين نشأ عن حياد فريق من الناس عن الحق الذي أقيم عليه خلق السماوات والأرض لأن الحق أن يؤمن الناس بوجود خالقهم ، وبأنه واحد وأن يفردوه بالعبادة فذلك الذي أراده اللّه من خلقهم ، قال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] . وقال : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [ الروم : 30 ] فمن حاد عن الإيمان ومال إلى الكفر فقد حاد عن الحق والفطرة . بِالْحَقِّ . وقوله : بِالْحَقِّ معترض بين جملة خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وجملة وَصَوَّرَكُمْ . وفي قوله : بِالْحَقِّ إيماء إلى إثبات البعث والجزاء لأن قوله بالحق متعلق بفعل خَلَقَ تعلّق الملابسة المفاد بالباء ، أي خلقا ملابسا للحق ، والحق ضد الباطل ، ألا